عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
30
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
القدمين ظمآن ، وقد تورمت قدماه فرآه بذاك الدلال والنعيم ، فالتفت إليه وقال : هل سيكون جزائي وجزاؤك سواء وقت المكافأة ، وأنت تسير في تلك النعمة وأنا في هذه الشدة ؟ ! فقال ذلك الرئيس : حاشا أن يعطيني الله عز وجل جزائي مثل جزائك وقت المكافأة ، فلو كنت أعرف أنه ستكون لي ولك منزلة واحدة ، لما كنت أتيت قط إلى البادية ، فقال الدرويش : ولم ؟ قال الغنى لقد جئت أنا بأمر الله وجئت أنت على خلاف أمره ، لقد دعيت أنا فأنا ضيف ، وأنت طفيلى ، وكيف يكون تكريم الطفيلى كتكريم الضيف ؟ لقد أمر الله تعالى الأغنياء بالحج وقال للفقراء : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ( البقرة : 195 ) . وأنت قد جئت إلى البادية بالمسكنة والجوع بغير أمر الله عز وجل ، وألقيت بنفسك في المهلكة ، فكيف تستوى وأهل الطاعة ؟ * * * كل من يحج مستطيعا يكون قد أدى حق النعمة ، وامتثل أمر الخالق ، فإذا كان لك مؤنة الحج فلا تقصر في الطاعة ، ومؤنة الحج خمسة أشياء : المكنة ، والمدة ، والحرية ، والأمن ، والراحة . فإذا وجدت نصيبا من هذه اجتهد في التمام . اعلم أن الحج طاعة لا تسقط قط ما دامت المكنة ، واعلم أن الله تعالى يدعو مخرجى الزكاة بمقربيه ، والرجل الذي يخرج الزكاة بين الأقوام الآخرين مثل الملك بين الرعية ، لأنه رازق والآخرون مرزوقون . واعلم أن الله تعالى قادر على أن يكون كل الناس أغنياء ، ولكن حكمته اقتضت « 1 » أن يكون البعض غنيا والبعض فقيرا ، لكي تظهر منزلة الناس وشرفهم ويظهر الأعلون ، مثل الملك الذي يوكل غلاما بأرزاق قوم فإذا أكل هذا الغلام الموكل بالرزق الأرزاق ولم يؤدها فإنه لا يستطيع أن يأمن غضب الملك . وكذلك الغنى إذا أكل الرزق ولم يؤت الزكاة ، لم يستطع أن يكون آمنا من غضب الله تعالى ، والزكاة مرة في العام فريضة عليك ، ولكن الصدقة زيادة في الطاعة . ولو أنها ليست فريضة . أما في المروءة والإنسانية فاعط ما تشاء ولا تقصر ، فإن المتصدقين في أمان الله ، والأمن من الله تعالى يجب أن يغتنم . وإياك أن « 2 » تشكك قلبك في شعائر الحج والزكاة ، ولا تقل لم الجرى والإحرام وقص الأظافر والشعر ؟ ولم يلزم إعطاء نصف دينار من كل عشرين دينارا ؟ وما ذا يريدون من البقر والغنم والإبل ؟ ولم يسوقون الهدى ؟ طهر قلبك من هذا جملة ، ولا تظن أن كل ما لا تعرفه ليس بخير ، فإن من الخير أن لا تعرف ولا تعرف ، واشتغل بطاعة الله عز وجل ولا شأن لك بكيف ولم ، فإذا امتثلت أمر الله تعالى فاعرف حق الوالدين لأنه أمر الله تعالى .
--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : ولكن هكذا كانت الحكمة . ( 2 ) الترجمة الحرفية : وعليك الأمان ألا .